الشوكاني

102

فتح القدير

البنات ولكم البنون ) أي بل أتقولون لله البنات ولكم البنون ، سفه سبحانه أحلامهم ، وضلل عقولهم ووبخهم : أي أيضيفون إلى الله البنات وهي أضعف الصنفين ، ويجعلون لأنفسهم البنين وهم أعلاهما ، وفيه إشعار بأن من كان هذا رأيه فهو بمحل سافل في الفهم والعقل ، فلا يستبعد منه إنكار البعث وجحد التوحيد . ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( أم تسألهم أجرا ) أي بل أتسألهم أجرا يدفعونه إليك على تبليغ الرسالة ( فهم من مغرم مثقلون ) أي من التزام غرامة تطلبها منهم مثقلون : أي مجهودون بحملهم ذلك المغرم الثقيل . قال قتادة : يقول : هل سألت هؤلاء القوم أجرا فجهدهم فلا يستطيعون الإسلام ( أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) أي بل أيدعون أن عندهم علم الغيب ، وهو ما في اللوح المحفوظ فهم يكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب . قال قتادة : هذا جواب لقولهم - نتربص به ريب المنون - يقول الله : أم عندهم الغيب حتى علموا أن محمدا يموت قبلهم فهم يكتبون . قال ابن قتيبة : معنى يكتبون يحكمون بما يقولون ( أم يريدون كيدا ) أي مكرا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهلكونه بذلك المكر ( فالذين كفروا هم المكيدون ) أي الممكور بهم المجزيون بكيدهم ، فضرر كيدهم يعود عليهم - ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله - وقد قتلهم الله في يوم بدر وأذلهم في غير موطن ، ومكر سبحانه بهم - ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين - ( أم لهم إله غير الله ) أي بل أيدعون أن لهم إلها غير الله يحفظهم ويرزقهم وينصرهم . ثم نزه سبحانه نفسه عن هذه المقالة الشنعاء فقال ( سبحان الله عما يشركون ) أي عن شركهم به ، أو عن الذين يجعلونهم شركاء له . ثم ذكر سبحانه بعض جهالاتهم ، فقال ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) الكسف جمع كسفة : وهي القطعة من الشئ ، وانتصاب ساقطا على الحال ، أو على أنه المفعول الثاني ، والمركوم : المجعول بعضه على بعض . والمعنى : أنهم إن يروا كسفا من السماء ساقطا عليهم لعذابهم لم ينتهوا عن كفرهم بل يقولون هو سحاب متراكم بعضه على بعض ، وقد تقدم اختلاف القراء في كسفا . قال الأخفش : من قرأ كسفا ، يعنى بكسر الكاف وسكون السين جعله واحدا ، ومن قرأ كسفا ، يعنى بكسر الكاف وفتح السين جعله جمعا . ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتركهم ، فقال ( فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) أي اتركهم وخل عنهم حتى يلاقوا يوم موتهم ، أو يوم قتلهم ببدر ، أو يوم القيامة . قرأ الجمهور " يلاقوا " وقرأ أبو حيوة " يلقوا " وقرأ الجمهور : يصعقون على البناء للفاعل : وقرأ ابن عامر وعاصم على البناء للمفعول ، والصعقة : الهلاك على ما تقدم بيانه ( يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ) هو بدل من يومهم : أي لا ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا ( ولا هم ينصرون ) أي ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع ، بل هو واقع بهم لا محالة ( وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ) أي لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي عذابا في الدنيا دون عذاب يوم القيامة : أي قبله ، وهو قتلهم يوم بدر . وقال ابن زيد : هو مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا ، وذهاب الأموال والأولاد . وقال مجاهد : هو الجوع والجهد سبع سنين ، وقيل عذاب القبر ، وقيل المراد بالعذاب هو القحط ، وبالعذاب الذي يأتي بعده هو قتلهم يوم بدر ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ما يصيرون إليه من عذاب الله وما أعده لهم في الدنيا والآخرة ( واصبر لحكم ربك ) إلى أن يقع لهم العذاب الذي وعدناهم به ( فإنك بأعيننا ) أي بمرأى ومنظر منا ، وفي حفظنا وحمايتنا فلا تبال بهم . قال الزجاج : انك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك فلا يصلون إليك ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) أي نزه ربك عما لا يليق به متلبسا بحمد ربك على إنعامه عليك حين تقوم من مجلسك . قال عطاء وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو الأحوص : يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول : سبحان الله وبحمده ،